القاضي عبد الجبار الهمذاني
364
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فعل ما يكفر هذه الإساءة . ولولا أن الأمر كذلك لما حسن في العقل ذم أحد لأن العقلاء لا يجوّزون في كل من أقدم على كل ما يستحق به العقوبة أنه تعالى غفر له ذلك وإن لم يتبينه . وقد علم أن الذم يتبع العقاب ويسقط بسقوطه . وإذا جوّز في العقاب السقوط ، جوّز مثله في الذم . وهذا يوجب أن لا يحسن في العقل ذم أحد على الحقيقة . وقد ثبت حسن الذم في العقل ، فيجب أن يكون وجه حسنه ظن الاستحقاق ، لأن العلم بذلك مفقود في العقل على ما بيناه . ولا يمكن أن يقال إن ذلك يحسن لنفع يعود على الذام ، وذلك أنه لا يحسن منه الإضرار بغيره لنفع نفسه ، وفي الذم إضرار بالمذموم . فلو لم يكن يحسن لكونه مستحقا لوجب كونه ظلما . وليس له أن يقول إن ذلك يحسن لنفع يحصل للمذموم لأنه إضرار به ، والنفع غير معلوم / فإن قال : ينتفع بذلك من حيث يرتدع عن فعل أمثال ما ذم عليه . قيل له إن ذلك لا يوجب حسن الذم إلا فيمن يستحقه ؛ لأنه لو علم ثبوته لما حسن أن يذمه لهذا الغرض . وبعد فلو حسن لهذه البغية « 1 » ، لوجب أن يحسن فيمن يعلم من حاله أنه لا يستحق الذم ؛ وبطلان ذلك يبين أنه لا بد في حسنه من أن يكون مستحقا . فلولا أن الظن فيه يقوم مقام العلم لما حسن من أهل العقول ما ذكرناه . فإن قال : فيجب أن يحسن المدح لهذا الوجه أيضا . قيل له : كذلك نقول لأن من غاب عنا من أهل « 2 » المدح ، بل الحاضر الّذي يجوز أن يكون باطنه خلاف ظاهره ، يحسن من أهل العقول مدحه ، ولا وجه له يحسن ذلك إلا الظن .
--> ( 1 ) أي لهذا الغرض أو الغاية . ( 2 ) أي الذين يستحقون المدح .